المضادات الحيوية في إنتاج الدواجن: فترة السحب والمتبقيات وكيف تضبط

من أكثر الأسئلة تكرارا في أي حديث عن الدجاج: هل هو مليء بالمضادات الحيوية؟ والسؤال مشروع، لكن صيغته تدفع إلى جواب خاطئ مهما كان اتجاهه. فالمزرعة ليست خيارا بين استخدام الدواء وعدم استخدامه؛ الطائر كائن حي يمرض، والامتناع عن علاجه ليس فضيلة بل مشكلة رعاية حيوانية. والسؤال الصحيح هو: إذا استخدم الدواء، فما الذي يضمن ألا يصل أثره إلى لحم الطائر عند الذبح؟ والجواب منظومة ضبط كاملة، لكل حلقة فيها اسم ومرجع ومختبر يتحقق منها. هذا الدرس يفكّك تلك المنظومة حلقة حلقة.
ولنضع المصطلح في مكانه أولا. «المتبقيات» ليست الدواء الذي أعطي للطائر، بل ما قد يتبقى منه أو من نواتج تحوّله في الأنسجة بعد انتهاء العلاج. وهي غير مرئية وغير محسوسة: لا لون لها ولا رائحة ولا طعم، ولا يمكن للمشتري أن يكتشفها بالنظر أو بالغسل أو بالشم. ولذلك بالتحديد لا تدار عند الرف ولا في المطبخ، بل قبل ذلك بأسابيع: في المزرعة، وفي دفتر العلاج، وفي التاريخ المدوّن لموعد الذبح.
ثلاثة استخدامات مختلفة تماما تحت اسم واحد#
الخلط الأكبر في هذا الملف أن كلمة «مضاد حيوي» تستعمل لثلاثة أشياء مختلفة تماما في هدفها وجرعتها وحكمها التنظيمي. وقد فصلتها مدوّنة الممارسات الصادرة عن هيئة الدستور الغذائي لتقليل واحتواء مقاومة مضادات الميكروبات المنقولة بالغذاء (CAC/RCP 61-2005) في تعريفات صريحة:
- العلاج: إعطاء المضاد لطائر أو قطيع شخّصت فيه إصابة سريرية بمرض معد — وهو الاستخدام الطبي المباشر.
- الوقاية: إعطاؤه لطيور سليمة يعدّ خطر إصابتها مرتفعا، أو لاحتواء انتشار مرض شخّص داخل المجموعة قبل ظهوره على بقيتها.
- تحفيز النمو: استخدام مواد مضادة للميكروبات لزيادة معدل اكتساب الوزن أو كفاءة الاستفادة من العلف بوسائل غير غذائية — وتنصّ المدوّنة صراحة على أن هذا المصطلح لا ينطبق على العلاج أو الوقاية حتى لو صاحبهما نمو عارض.
والفصل ليس أكاديميا. فالمدوّنة نفسها تقرر أن استخدام الأدوية المضادة للميكروبات لتحفيز النمو، إذا كانت من فئات تستعمل في علاج البشر، ينبغي إيقافه أو التخلص التدريجي منه في غياب تحليل مخاطر. ثم ذهبت منظمة الصحة العالمية أبعد من ذلك في إرشاداتها الصادرة عام ٢٠١٧ بشأن استخدام مضادات الميكروبات المهمة طبيا في الحيوانات المنتجة للغذاء، فأوصت بالتقييد الكامل لاستخدام جميع فئات مضادات الميكروبات المهمة طبيا لغرض تحفيز النمو، وبخفض عام في استخدامها لدى هذه الحيوانات. أي أن اتجاه التنظيم العالمي واضح: العلاج يبقى، والتحفيز يخرج.
من الجرعة إلى الطبق: كيف تبنى فترة السحب#
الحلقة المركزية في المنظومة كلها اسمها فترة السحب، وهي المدة الواجب انقضاؤها بين آخر جرعة دواء وبين ذبح الطائر. وهي ليست تقديرا ولا عرفا، بل رقم يشتق حسابيا من سلسلة سابقة عليه. تبدأ السلسلة بتقييم سلامة يشمل — بحسب مدوّنة الدستور الغذائي — الآثار الميكروبيولوجية المحتملة، مثل الأثر البيولوجي على الفلورا المعوية لدى الإنسان، إضافة إلى الآثار السمية والدوائية. ومن هذا التقييم يشتق المدخول اليومي المقبول، ثم يبنى عليه الحد الأقصى للمتبقيات لكل غذاء معني: اللحم والحليب والبيض والسمك والعسل. وتوضح المدوّنة الغاية من هذا الحد بجملة عملية: الحدود القصوى للمتبقيات ضرورية كي تتمكن مختبرات الرقابة المعترف بها رسميا من التحقق من أن الأدوية استخدمت بالطريقة المرخّصة. أي أن الحد ليس خطا أحمر للسميّة فحسب، بل أداة تفتيش.
وعلى هذا الأساس تحدد فترة السحب لكل دواء بيطري على حدة، بحيث يصبح إنتاج غذاء ملتزم بالحد الأقصى للمتبقيات ممكنا. وتذكر المدوّنة العوامل التي يجب أخذها في الحسبان عند تحديدها:
- الحد الأقصى للمتبقيات المقرر لذلك الدواء تحديدا.
- الشكل الصيدلاني للدواء — فالمستحضر الذي يعطى في ماء الشرب لا يسلك مسلك الحقن نفسه.
- نوع الحيوان المستهدف، فما يصلح لنوع لا ينقل تلقائيا إلى آخر.
- نظام الجرعات ومدة العلاج.
فترة السحب تاريخ لا شعور. الطائر لا يبدو مختلفا في يومها الأخير عنه في اليوم التالي له، ولذلك فإن الضبط الحقيقي ليس في الملاحظة بل في السجل: اسم الدواء ورقم التشغيلة وتاريخ الإعطاء والمجموعة التي عولجت ومدة الجرعة وفترة السحب المقابلة لها. هذا السجل — وهو أحد ما توصي المدوّنة بحفظه — هو ما يحوّل قرارا داخل عنبر إلى شيء يمكن لطرف ثالث التحقق منه لاحقا.
ماذا تشترط السعودية فعليا عند حدود الاستيراد#
على مستوى المملكة، تظهر هذه المنظومة في وثيقة يمكن لأي أحد قراءتها: اشتراطات ومتطلبات استيراد الأغذية إلى المملكة الصادرة عن الهيئة العامة للغذاء والدواء، وفيها نموذج الشهادة الصحية لتصدير لحوم الدواجن ومنتجاتها إلى المملكة. النموذج قائمة إقرارات يوقّعها الطرف الرسمي في بلد المنشأ، ومن بينها إقرار مخصص لهذا الملف بالذات: أن الممارسات البيطرية الجيدة قد طبّقت في استخدام الأدوية البيطرية — وينصّ النموذج صراحة على أن ذلك يشمل محفّزات النمو — والكيماويات الزراعية في الحيوانات الحية، وأن أي متبقيات من الهرمونات أو المضادات الحيوية أو المبيدات أو المعادن الثقيلة أو أي ملوثات أخرى في لحوم الدواجن ومنتجاتها مطابقة للوائح SFDA.FD 382/2019 وGSO 2481 وGSO 1016 وGSO CODEX STAN 193.
ويصبح هذا الإقرار أوضح حين يقرأ مع بقية إقرارات النموذج نفسه، لأنها تكشف أن المتبقيات ليست بندا معزولا بل جزءا من ملف صحي متكامل يشترط أيضا:
- أن تكون الطيور قد ذبحت في مسلخ معتمد وتحت إشراف الجهة المختصة في بلد التصدير، ومعتمد من الهيئة العامة للغذاء والدواء.
- أن تكون قد خضعت للفحص قبل الذبح وبعده على يد أطباء بيطريين تكلّفهم الجهة المختصة في بلد المنشأ.
- أن تكون المنشأة خاضعة لتفتيش الجهة المختصة ومطبّقة لنظام إدارة سلامة غذاء قائم على مبادئ الهاسب أو ما يعادله.
- ألا تكون الطيور قد تغذّت على بروتين حيواني مصنّع، باستثناء مسحوق السمك.
- أن تكون اللحوم مصحوبة بشهادة إرسالية للذبح الحلال وفق اللائحة الخليجية GSO 993، صادرة عن جهة منح شهادات حلال معترف بها من مركز الحلال بالهيئة.
الخطة الوطنية لمقاومة مضادات الميكروبات ٢٠٢٢–٢٠٢٥#
الحد الأقصى للمتبقيات يعالج نصف المسألة: ما يصل إلى طبقك. أما النصف الآخر فهو مقاومة مضادات الميكروبات، أي أن الإفراط في استخدام هذه الأدوية — في الطب البشري والبيطري معا — يدفع البكتيريا إلى تطوير مقاومة تجعل العلاج أقل نفعا لاحقا. ولذلك أصدرت هيئة الصحة العامة «وقاية» خطة العمل الوطنية لمقاومة مضادات الميكروبات للمملكة للفترة ٢٠٢٢–٢٠٢٥، وهي خطة بخمسة أهداف تتفرع إلى ثلاث عشرة مبادرة وأربع وأربعين نشاطا موزعة على جهات مسؤولة من بينها وزارة البيئة والمياه والزراعة والهيئة العامة للغذاء والدواء ووزارة الصحة.
وما يخص قطاع الدواجن في هذه الخطة محدد بوضوح. فتحت الهدف الرابع، الخاص بترشيد استخدام مضادات الميكروبات في صحة الإنسان والحيوان، تنصّ المبادرة الثالثة على ضمان الاستخدام الرشيد في الحيوانات البرية والمائية والزراعة، وتتفرع إلى أنشطة منها إصدار قائمة سنوية شاملة بمضادات الميكروبات المقيّدة المستهلكة في قطاع صحة الحيوان — وخصوصا الحيوانات المنتجة للغذاء — وإنشاء نظام لمراقبة وصف واستخدام مضادات الميكروبات في هذا القطاع، ووضع أدلة وطنية لاستخدامها بحسب النوع: حيوانات الغذاء، والحيوانات الأليفة، والأحياء المائية. أما الهدف الثاني فيوسّع الترصد ليشمل الإنسان والحيوان والغذاء والبيئة، ونصّه يذكر صراحة متبقيات مضادات الميكروبات في الغذاء وفي علف الحيوان. ويضاف إلى ذلك نشاط ترصد قائم بالفعل: الكشف عن السالمونيلا والكامبيلوباكتر والعدد الكلي للبكتيريا في الدواجن في جميع مناطق المملكة.
الوقاية أرخص من العلاج — حرفيا#
الطريق الأقصر إلى تقليل استخدام المضادات الحيوية ليس منعها، بل تقليل الحاجة إليها. وهذا ما تقوله مدوّنة الدستور الغذائي بصيغة السياسات: على الحكومات، بالتعاون مع مختصي صحة الحيوان والصحة العامة، تبنّي نهج استباقي لتعزيز الاستخدام الرشيد، على أن تشمل بقية عناصر الاستراتيجية الوطنية ممارسات التربية الجيدة وسياسات التحصين وتطوير الرعاية الصحية الحيوانية على مستوى المزرعة — وكلها تسهم في خفض معدل الأمراض التي تستدعي العلاج بالمضادات أصلا. بعبارة أخرى: العنبر النظيف والقطيع المحصّن والزائر الذي يبدّل حذاءه عند البوابة كلها أدوات لخفض استهلاك الدواء، تماما مثل الدواء نفسه.
وتضع المدوّنة على المربّي مسؤوليات تشغيلية مباشرة، أهمها في سياقنا هنا: الالتزام بفترات السحب الموصى بها لضمان ألا تمثل مستويات المتبقيات في الغذاء الحيواني المصدر خطرا على المستهلك، والالتزام بشروط تخزين الأدوية وفق البطاقة المعتمدة، وعدم استخدام أدوية منتهية الصلاحية والتخلص من غير المستخدم منها وفق ما تنصّ عليه البطاقة، وإبلاغ الطبيب البيطري المسؤول عن الوحدة بالمشكلات المرضية المتكررة.
ماذا يعني هذا لك: مشتريا أو مستهلكا#
بالنسبة لمشتري الجملة أو صاحب المطعم، الخلاصة عملية: لا تتعامل مع هذا الملف بوصفه سؤال ثقة، بل بوصفه سؤال وثيقة. المورّد الذي يستورد قادر على تزويدك بنسخة من الشهادة الصحية المرافقة للإرسالية، والمورّد المحلي قادر على تزويدك بتقارير فحص مخبري لمتبقيات الأدوية البيطرية إن كانت جزءا من نظام جودته. وحين يكون الطلب مكتوبا ضمن اتفاقية التوريد، يتحول من مجاملة إلى شرط. أما بالنسبة للمستهلك في المنزل فالخلاصة مختلفة: المتبقيات ليست ما تديره أنت. ما تديره في مطبخك هو البكتيريا — بالطهي إلى درجة الحرارة الآمنة وبمنع التلوث المتبادل — وهي إجراءات تحمي منها سواء كانت البكتيريا حساسة للمضادات أو مقاومة لها.
ثلاثة أسئلة تختصر تقييم أي مورّد دواجن في هذا الملف: هل يمكنك تزويدي بالشهادة الصحية أو بشهادة المطابقة المرافقة للإرسالية؟ وهل لديكم نتائج فحص لمتبقيات الأدوية البيطرية، وممن صدرت؟ وهل مصدر المنتج منشأة تعمل بنظام سلامة غذاء قائم على الهاسب؟ إجابات هذه الأسئلة الثلاثة تكشف نضج نظام الجودة عند المورّد أكثر مما تكشفه أي زيارة ميدانية سريعة.
الأسئلة الشائعة
هل الدجاج المتوفر في السوق السعودي يحتوي على مضادات حيوية؟
الصياغة الدقيقة أن المنتج المطروح للبيع يجب أن يكون مطابقا للحدود القصوى المسموح بها للمتبقيات. فاستخدام الدواء البيطري لعلاج الطيور المريضة أمر مشروع ومتوقع، وما يضبطه هو انقضاء فترة السحب قبل الذبح، بحيث تنخفض المتبقيات إلى ما دون الحد الأقصى المقرر. وعلى مستوى الاستيراد، تشترط الشهادة الصحية المعتمدة من الهيئة العامة للغذاء والدواء إقرارا صريحا بأن أي متبقيات للهرمونات أو المضادات الحيوية أو المبيدات أو المعادن الثقيلة مطابقة للوائح SFDA.FD 382/2019 وGSO 2481 وGSO 1016 وGSO CODEX STAN 193. أي أن السؤال ليس «هل استخدم دواء؟» بل «هل احترمت فترة السحب وأثبت المختبر ذلك؟».
ما الفرق بين المضاد الحيوي والهرمون في هذا السياق؟
هما شيئان مختلفان تماما ويخلط بينهما كثيرا. المضاد الحيوي دواء يستخدم لعلاج عدوى بكتيرية أو الوقاية منها، ولاستخدامه في الحيوانات المنتجة للغذاء إطار تنظيمي كامل: ترخيص وجرعة وفترة سحب وحد أقصى للمتبقيات. أما الهرمونات فمسألة أخرى تماما في صناعة الدواجن تحديدا، وقد تناولناها في درس مراحل إنتاج الدجاج من المزرعة إلى السوق. والمهم عمليا أن الشهادة الصحية للاستيراد تغطي الاثنين في إقرار واحد يشمل متبقيات الهرمونات والمضادات الحيوية معا.
هل يزيل الطهي أو الغسل متبقيات الأدوية البيطرية؟
لا ينبغي التعامل مع المطبخ بوصفه حلقة ضبط للمتبقيات أصلا. المنظومة كلها مصمّمة لتعمل قبل الذبح: التقييم يحدد المدخول اليومي المقبول، ومنه يشتق الحد الأقصى للمتبقيات، ومنه تحسب فترة السحب التي تضمن ألا يخرج الطائر من المزرعة إلا وقد نزلت متبقياته تحت الحد. وغسل الدجاج النيء تحديدا ممارسة غير موصى بها لسبب مختلف تماما، فهو ينثر البكتيريا على الحوض والأسطح المجاورة. أما الطهي فوظيفته قتل الميكروبات المسببة للأمراض، وهي وظيفة أساسية بذاتها لكنها ليست علاجا لسؤال المتبقيات.
هل عبارة «خال من المضادات الحيوية» على العبوة تعني أن المنتج أكثر أمانا؟
هذه العبارة تصف نظام إنتاج، لا مستوى أمان مختلفا. فسقف السلامة واحد لكل المنتجات المطروحة قانونا: المطابقة للحد الأقصى المسموح به للمتبقيات، سواء حمل المنتج مثل هذا الادعاء أو لم يحمله. وقيمة الادعاء الحقيقية تكمن في ما يسنده: هل يستند إلى برنامج موثّق ومدقّق من جهة مستقلة، أم هو عبارة تسويقية على العبوة؟ ولذلك فالسؤال الصحيح أمام أي ادعاء من هذا النوع هو: من يتحقق منه، وبأي وثيقة؟


